ضع اعلانك هنا

الميدالية الملكية الثانية.. حينما تكافئ الحياةُ شغفَ الإنسان..دينكامب الهولندية، الجمعة 16 أكتوبر 2026م..

الكاتب : استاذ دكتور قاسم المحبشي ..
———————–

صباح أمس الجمعة، السادس عشر من أكتوبر 2026م، كنت برفقة صديقي الفنان التشكيلي العراقي الموهوب رائد يعقوب في مسبح مدينة دينكامب الهولندية، تلك المدينة الوادعة التي تعانق الحدود الألمانية، حين تسلّمت ميداليتي الملكية الثانية في السباحة الحرة، في مشهد بدا لي أكبر من مجرد احتفال رياضي عابر. كان احتفاءً بالإنسان الذي يظل قادراً على اكتشاف نفسه من جديد، مهما تقدّم به العمر، ومهما أثقلته تجارب الحياة وتحولاتها. ميدالية صغيرة في حجمها، كبيرة في معناها، لأنها لا تكافئ حركة الجسد وحدها، بل تحتفي بالإرادة والمثابرة والشغف الذي لا يعرف الاستسلام.

قبل عامين، وفي المسبح نفسه، حصلت على ميداليتي الأولى. يومها لم أكن أتخيل أن هذه التجربة البسيطة ستتحول إلى محطة ذات دلالة خاصة في حياتي، وأنني سأعود بعد عامين لأتسلّم ميدالية ثانية، محمّلاً بتجربة أعمق مع الماء والجسد والصحة، وبوعي مختلف لمعنى الرياضة في حياة الإنسان. بين الميداليتين عامان من الممارسة والانتظام، ومن اكتشاف أن الأشياء التي تبدو صغيرة في أعيننا قد تصنع، حين نداوم عليها، تحولات كبيرة في حياتنا.

لقد مارست السباحة أكثر من أربعين عاماً، لكن ممارستها في هولندا خلال العامين الأخيرين منحتني معنى جديداً لها. فثمة فرق بين أن يمارس الإنسان نشاطاً يحبه، وأن يعيش داخل بيئة اجتماعية ومؤسسية تعترف بهذا النشاط، وتشجعه، وتمنحه مكانته بوصفه جزءاً من الحياة اليومية. هنا لا تبدو الرياضة امتيازاً للمتفرغين، ولا استعراضاً للقوة البدنية، ولا ترفاً يمكن الاستغناء عنه؛ إنها إحدى وسائل العناية بالإنسان، وصيانة صحته، وتعزيز ثقته بنفسه، وإبقائه متصالحاً مع جسده والعالم من حوله.

أذكر، بكل امتنان، السيدة روزانا، مديرة مهرجان السباحة السنوي في المدينة، التي سلّمتني الميدالية الأولى، وما رافقها من هدية رمزية تشجيعية. وفي هذه المناسبة الجديدة يتجدد تقديري لكل من جعل من المسبح فضاءً إنسانياً للاحتفاء بالمشاركة والمثابرة، لا مجرد مكان لممارسة التمارين. كما أتوجه بالشكر إلى الصديق الذي دلّني على هذا المسبح وسهّل اشتراكي الشهري فيه؛ فقد تكون إشارة صغيرة من إنسان سبباً في فتح باب واسع من أبواب الحياة.

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنني، بعد أكثر من أربعين عاماً من السباحة، وجدت نفسي أتلقى تقديراً مؤسسياً لشغف ظل يرافقني طويلاً من دون أن أحظى بمثل هذا الاحتفاء. هنا أدركت أن المجتمعات المتحضرة لا تكتفي بالحديث عن أهمية الإنسان، بل تحاول أن تجسّد هذا الإيمان في تفاصيل الحياة اليومية؛ في المسبح، والحديقة، والمتحف، والجامعة، وفي كل مكان يستطيع المرء أن يمارس فيه حريته من دون أن يشعر بأنه غريب عن محيطه.

وليس المقصود من هذا الاحتفاء أن نرسم صورة مثالية عن أوروبا، أو أن نضع مجتمعاً في مرتبة أخلاقية مطلقة فوق مجتمع آخر. إن المقارنة الحضارية التي تستحق التأمل ليست مقارنة في الشعارات، وإنما في المؤسسات والعادات والفرص المتاحة للناس. ما الذي يجعل ممارسة السباحة أمراً مألوفاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع؟ وما الذي يجعل احترام الجسد والعناية بالصحة جزءاً من الثقافة العامة؟ وكيف تستطيع التربية أن تنقل الإنسان من معرفة قيمة الشيء إلى ممارسته فعلياً؟

أتذكر هنا الحكمة المنسوبة إلى عمر بن الخطاب: «علّموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل». وسواء توقفنا عند سياقها التاريخي أم عند معناها التربوي، فإنها تذكّرنا بأن بناء الإنسان لا يكتمل بالمعرفة النظرية وحدها. غير أن حاجات العصر اتسعت، وأصبح من الضروري أن نضيف إلى التربية البدنية القراءة والكتابة والتفكير النقدي، واحترام الآخر، والتعامل الواعي مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. فالتقدم ليس أن نجيد استخدام الآلات فحسب، بل أن نمتلك العقل الذي يوجّهها، والضمير الذي يضبط استخدامها، والجسد السليم الذي يحملنا في رحلة الحياة.

وقد شهدت ذات مرة موقفاً مؤلماً حين تعرّض رجل عربي في نحو الخمسين للغرق في المسبح، فسارعت مدرّبة هولندية إلى إنقاذه. لم أنظر إلى الرجل نظرة انتقاص، ولم أحمّله مسؤولية جهل قد تكون وراءه ظروف اجتماعية أو تربوية أو شخصية لا أعرفها. بل جعلني الموقف أتأمل الفارق بين المجتمعات التي تتحول فيها مهارات النجاة الأساسية إلى ثقافة عامة، وتلك التي تظل فيها هذه المهارات محدودة الانتشار. فليس من العدل أن نلوم الفرد على ما لم تتح له فرصة تعلمه، وإنما من واجبنا أن نسأل عن مسؤولية التربية والأسرة والمدرسة والمؤسسات العامة في توفير فرص التعلم للجميع.

أما أنا، فما زلت أذهب إلى المسبح بشغف طفل اكتشف الماء للتو. أجيد، كما أقول مازحاً، أنماطاً متعددة من السباحة، من الفراشة والدولفين إلى سباحات أخرى اعتدت عليها عبر السنين. وما زلت أتحدى نفسي في قطع طول المسبح في زمن أطمح إلى تحسينه، وأستمتع بحركات لا أظن أن المقام الاحتفالي يسمح لي بتفصيلها! وربما يتذكر بعض الأصدقاء، ومنهم أبو علاء وصالح العيسائي والشيخ علي سعدان، شيئاً من تلك المغامرات المائية التي كانت تمنح لقاءاتنا متعة إضافية.

لكن المكسب الأهم خلال العامين الماضيين لم يكن الميداليتين وحدهما؛ فقد أصبحت السباحة جزءاً منتظماً من نمط حياتي، وأسهمت في تحسين لياقتي وشعوري بالصحة والحيوية، وكانت جزءاً من رحلة أوسع للعناية بوزني وجسدي. وبعد أن كان وزني في حدود 125 كيلوغراماً في مرحلة سابقة، وصل إلى نحو 90 كيلوغراماً في سبتمبر 2026. ولا أنسب هذا التغير كله إلى السباحة وحدها، إذ تتداخل في ذلك عوامل متعددة، لكن انتظامي في الرياضة كان من المحطات المهمة في هذه الرحلة. إن خسارة الوزن ليست مجرد أرقام على الميزان؛ إنها استعادة تدريجية للقدرة على الحركة، وتخفيف للأعباء عن الجسد، وشعور متجدد بأن الإنسان يستطيع أن يغيّر بعض شروط حياته مهما تأخر به العمر.

لهذا أحتفي اليوم بميداليتي الملكية الثانية، لا باعتبارها دليلاً على تفوقي على الآخرين، بل بوصفها شهادة صغيرة على انتصاري على الكسل، وعلى قدرتي على الاستمرار، وعلى أن العمر لا ينبغي أن يتحول إلى حجة للتوقف عن التعلم أو العناية بالنفس.

إن الحضارة، في نهاية المطاف، ليست أبراجاً شاهقة ولا تقنيات مبهرة فحسب؛ إنها أيضاً أن يجد الإنسان مسبحاً آمناً، ومدرّباً مؤهلاً، وفرصة متاحة، ومؤسسة تقدّر جهده، ومجتمعاً لا يسأله عن مكانته قبل أن يرحب به. والميدالية الأجمل ليست تلك التي تتدلى على الصدر، وإنما تلك التي يصنعها الإنسان في داخله، كلما انتصر على عجزه، وتعلم شيئاً جديداً، واكتشف أن الحياة ما زالت تفتح له أبواباً لم يكن يعرف أنها موجودة.

شكراً لدينكامب، ولمسبحها الدافئ، ولكل من جعل هذه التجربة ممكنة، ولصديقي الفنان رائد يعقوب الذي شاركني بهجة هذا الصباح. ولتظل الميدالية الثانية تذكيراً بأن الإنسان لا يكبر حين يمضي العمر، بل حين يتخلى عن شغفه، وأن الماء، مثل الفلسفة، يعلّمنا درساً بليغاً: لا يعبر المرء إلى الضفة الأخرى بالتمني، بل بالممارسة والصبر والاستمرار.

تحية للحياة، وللجسد الذي يستحق الرعاية، وللشغف الذي لا يشيخ.

دمتم بخير وسلام ..

ضع اعلانك هنا