ضع اعلانك هنا

تهامة في معادلة أمن البحر الأحمر: من جغرافيا الصراع إلى شراكة الحماية والاستقرار…

الكاتب : عبدالمجيد زبح ..

المتأمل بعمق في الخارطة الاستراتيجية للشرق الأوسط يدرك أن الأمن القومي للبحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية عبر باب المندب ليسا مجرد ملفين فنيين تقتصر معالجتهما على الدوريات البحرية والتحركات في المياه الدولية، بل هما معادلة برية وبحرية متكاملة، تبدأ من الشريط الساحلي الممتد من ميدي شمالا حتى تخوم باب المندب جنوبا. وفي قلب هذه المعادلة تقع تهامة، بحكم الجغرافيا والتاريخ وامتدادها الساحلي وصلتها المباشرة بالممرات البحرية الحيوية. ومع تزايد الاهتمام الإقليمي والدولي بأمن البحر الأحمر، بما في ذلك التحركات المصرية، تتأكد حقيقة أن هذه الجغرافيا تجاوزت حدود الشأن المحلي لتصبح جزءا من معادلة الأمن القومي العربي والإقليمي والدولي..

وعليه، فإن أي استراتيجية دولية تسعى إلى بناء حلول مستدامة لمواجهة التهديدات للأمن الإقليمي ومن ضمنها انقلاب مليشيات الحوثيين والتمدد الإيراني، والإرهاب، وحماية الساحل التهامي وتأمين الملاحة الدولية، ستظل ناقصة ما لم تستند إلى القدرات البشرية المحلية من أبناء الأرض أنفسهم، وتمنحهم دورا مؤسسيا مباشرا في حماية مناطقهم. فالأمن البحري لا يبدأ عند حدود المياه الدولية، بل يرتبط بما يجري على الساحل وفي المناطق المتصلة به، وبمدى قدرة المؤسسات المحلية على الرصد المبكر ومكافحة التهريب وحماية المنشآت والمجتمعات الساحلية. ومن هنا، فإن معرفة أبناء تهامة بجغرافيتهم ومجتمعاتهم ليست مجرد ميزة محلية، بل مورد استراتيجي يمكن تحويله إلى قدرة أمنية فاعلة من خلال التأهيل المهني والبناء المؤسسي والقيادة المسؤولة..

وقد حان وقت الانتقال من مرحلة تقديم الرؤى السياسية إلى مناقشة آليات تنفيذها. فالنجاح الاستراتيجي لا ينبغي أن يظل رهينا بانتظار توافقات سياسية قد يطول الوصول إليها، بل يتطلب مقترحات عملية قابلة للتطبيق، تستجيب للاحتياجات الأمنية الفعلية وتستطيع إقناع المجتمع الدولي، وفي مقدمته واشنطن والدول الإقليمية، بجدواها وقابليتها للتنفيذ. وقد سبق لأبناء تهامة أن قدموا للدول الفاعلة رؤية تستوعب متطلبات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب وحماية الساحل، وهم على استعداد لتحديثها بما يتناسب مع التطورات الراهنة وتحويلها إلى شراكة ميدانية فاعلة، تقوم على تحديد الأولويات والاحتياجات والمسؤوليات، والانتقال من التصور إلى التنفيذ..

فالاستثمار في بناء قوة تهامية نظامية ومهنية، ضمن إطار مؤسسي وقانوني واضح وبدعم من المجتمع الدولي والدول الإقليمية الفاعلة، يمثل أحد الخيارات الاستراتيجية وينبغي أن تقوم هذه القوة على قيادة مسؤولة، وتدريب وتأهيل مناسبين، وتجهيز يتوافق مع مهامها، وضوابط تضمن حماية المدنيين واحترام سيادة القانون والمساءلة. كما يتطلب نجاحها تحديد نطاق عملها وآليات قيادتها والرقابة عليها، وعلاقتها بالشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن تكاملها مع المنظومة الأمنية الرسمية وعدم تحولها إلى تشكيل مواز ينافس مؤسسات الدولة…

وتستمد هذه القوة أهميتها من قدرتها المحتملة على تعزيز الرصد والإنذار المبكر، ومكافحة التهريب، وحماية المنشآت والمناطق الساحلية، وتقليص الفجوات الأمنية التي يمكن استغلالها لاستهداف الملاحة الدولية. فالمعرفة الميدانية المستمرة بالجغرافيا الساحلية، والارتباط المباشر بالمجتمعات المحلية، يمكن أن يشكلا قيمة مضافة للترتيبات الأمنية القائمة، متى اقترنا بالكفاءة والانضباط والتدريب والتجهيز والمساءلة. ولهذا، ينبغي أن يستند بناء القوة إلى تقييم واقعي للاحتياجات والقدرات القائمة، وتحديد واضح للمهام والمسؤوليات، ووضع مؤشرات قابلة للقياس لتقييم أدائها ومدى إسهامها في حماية الساحل وتعزيز الأمن والاستقرار…

وهنا تتجلى المسؤولية السياسية والأمنية الملقاة على عاتق واشنطن والدول الإقليمية وصناع القرار الدولي، في الانتقال من التعامل مع أبناء تهامة باعتبارهم مجرد مجتمعات محلية تحيط بالصراع، إلى الاعتراف بهم شركاء أصليين واستراتيجيين في حماية هذا الممر المائي الحساس. فهناك فرق جوهري بين الاعتماد على أبناء الأرض أنفسهم، بعد تأهيلهم وتمكينهم ضمن مؤسسات مسؤولة، وبين الرهان على وكلاء من خارج الجغرافيا أو على قوى تقليدية قد لا تتطابق أولوياتها بالضرورة مع احتياجات المجتمعات الساحلية ومصالحها. فالاعتماد الحصري على القوى التي تتمركز مصالحها خارج المنطقة لا يضمن بالضرورة تمثيل مصالح سكانها أو معالجة احتياجاتهم الأمنية، كما أن إقصاء أبناء تهامة عن القرارات المتعلقة بأمن أرضهم ومستقبلها يحرم الترتيبات الأمنية من قدرات محلية يمكن أن تسهم في تحقيق الاستقرار..

ومن المهم أن تأخذ التقييمات الإقليمية والدولية في الحسبان أن استمرار اختلال موازين القوة وتضارب المصالح قد يتيحان لبعض الأطراف توظيف التهديدات كورقة للابتزاز والمساومة وتحقيق مكاسب سياسية أو شخصية، بدلا من العمل على معالجتها بصورة مستدامة. وهذه مخاطرة استراتيجية ينبغي أن تحضر بوضوح في حسابات صناع القرار؛ إذ لا يكفي تقييم القوى التي تتنافس على النفوذ في هذه الجغرافيا من خلال حجم قوتها أو نفوذها القائم، بل يجب النظر أيضا إلى مدى إسهامها في معالجة مصادر التهديد، وحماية السكان والمصالح العامة، وتعزيز المؤسسات، ومنع استمرار الاضطراب وتحوله إلى أداة للمساومة وتحقيق المصالح الخاصة..

وفي المقابل، فإن ابن الأرض، حين تتوافر له مقومات البناء المؤسسي والقيادة المسؤولة والتأهيل المهني والدعم المستدام، يمتلك معرفة مباشرة بجغرافيته ومجتمعه ومصلحة أصيلة في حماية استقرارهما. ولا يعني ذلك أن الانتماء إلى الأرض وحده يضمن الكفاءة أو النزاهة، بل إن الضمان الحقيقي يكمن في التكامل بين المعرفة المحلية والتدريب والانضباط وسيادة القانون والمساءلة. وعندما تتوافر هذه الشروط، يصبح أبناء تهامة شركاء فاعلين في حماية جغرافيتهم، وتتقلص فرص استغلالها منصة لتهديد الملاحة الدولية أو مصدر ابتزاز للإقليم والعالم، لأن أمن الأرض واستقرار المجتمع يرتبطان مباشرة باستدامة الأمن من حولهما..

فتمكين أبناء تهامة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبا محليا منفصلا عن أولويات المجتمع الدولي، بل خيارا أمنيا يستحق التقييم في ضوء ما يمكن أن يضيفه إلى حماية الساحل وباب المندب. فهناك فارق بين جغرافيا تتنافس القوى على النفوذ فيها، وجغرافيا يشارك أبناؤها في حمايتها وإدارة ترتيبات أمنها ضمن مؤسسات مسؤولة. وفي الحالة الثانية، يمكن أن تتحول المعرفة المحلية إلى قدرة عملية، وأن يصبح المجتمع شريكا في منع التهديدات لا مجرد طرف يتحمل نتائجها..

وعليه، فإن المطلوب من واشنطن والدول الإقليمية الانتقال من الإقرار النظري بأهمية الدور المحلي إلى خطوات عملية واضحة، تبدأ بفتح قنوات تواصل مباشرة على أعلى المستويات لمناقشة الرؤية التهامية وتحديثها، وتقييم الاحتياجات الفعلية لبناء القدرات الساحلية، ودراسة آليات دعمها وتأهيلها وتجهيزها. ويشمل ذلك تحديد المهام والمسؤوليات، وتقييم القدرات القائمة والفجوات الأمنية، ووضع برامج التدريب والتأهيل، وتحديد آليات القيادة والتنسيق والرقابة والمساءلة، وربط الدعم بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، بما يسمح بتقييم النتائج وتصحيح المسار وضمان توجيه الموارد نحو حماية المدنيين وتعزيز الأمن والاستقرار..

وهذا المسار ليس مجرد دعم لمنطقة جغرافية، بل خيار أمني استراتيجي يمكن أن يخدم المصالح الوطنية، ويصون مصالح الدول الإقليمية والقوى الدولية، ويسهم في مواجهة التهديدات البرية والبحرية من مصادرها. فاستدامة أمن البحر الأحمر لا تتحقق بالاستجابة للتهديدات بعد وقوعها فحسب، ولا بالاعتماد على الدوريات البحرية وحدها، ولا بإبقاء المجتمعات المحلية خارج معادلة القرار، بل ببناء منظومة متكاملة تربط بين حماية البحر وتأمين الساحل وتمكين أبناء المنطقة ضمن مؤسسات مسؤولة..

فالمسؤولية أمام واشنطن والدول الإقليمية لا تقتصر على احتواء التهديدات القائمة، بل تشمل دعم ترتيبات أمنية تعالج أسباب استمرارها وتمنع إعادة إنتاجها. ومن هنا، فإن الاعتراف بأبناء تهامة شركاء أصليين في حماية أرضهم، ومنحهم دورا مؤسسيا يتناسب مع أهمية جغرافيتهم، يمثل خطوة عملية نحو تحويل الساحل من ساحة لصراعات النفوذ وحسابات القوى إلى قاعدة للاستقرار والشراكة الأمنية. فحين تتكامل الإرادة المحلية مع البناء المؤسسي والدعم الدولي والإقليمي، تصبح حماية تهامة وباب المندب والملاحة الدولية مصلحة مشتركة ومسؤولية قابلة للتنفيذ، لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمات تتكرر…

ضع اعلانك هنا