ضع اعلانك هنا

في محاولة فهم ما جرى والفرق بين الثورة والسياسة…

الكاتب / بروفيسور قاسم المحبشي ..

( الثورة تجعل الناس متعاونين ومسامحين ورومانسيين بينما تجعلهم السياسية أنانيين ومتعصبين وعنيفين وخطرين) ق. م..

وأنا اتذكر بدايات المقاومة في عدن منذ اجتياحها في صيف 1994م ومن الذي كان معنا؟ ومن كان ضدنا؟ وكيف كنا نجتمع في الساحات والميادين والمنتديات بتسامح ومحبة وتعاون وكيف تغيير كل شيء بعد عام 2017م بعد تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي الذي كان الجنوبيون يراهنون عليه في ادارة شأنهم العام فخيب امالهم وكيف تمزق شمل الناس وتحول التضامن إلى صراع دامي والمودة إلى خصومة والتعاون إلى تنافس وعنف وعداوة في وضع بالغ الحساسية والقساوة حتى انهار كل شيء في لحظة دراماتيكية صادمة للأسف الشديد😳 حاولت افهم ما جرى فجمعت المعنى في هذا المنشور لعلى وعسى نفهم مصابنا ولسنا في بداية التاريخ ولا في نهايته وقد كنت وما زلت حريص جدا على التمييز بين الحماس الثوري والفعل السياسي وهذا هو فحوى سؤال للزبيدي حينما قابلته للمرة الأولى في التواهي https://www.google.com/url?q=https://al-omana.net/m/article20686.html&sa=U&ved=2ahUKEwjgzNjA88aTAxWe5AIHHQgbAZ0QFnoECCYQAQ&usg=AOvVaw3Q-DeorOxgsyEfPdrJCH3K

ومن خلال متابعتي لردود الأفعال الناجمة على
الاحداث المؤسفة التي حدثت التي تنم بعضها عن غياب الفهم بسبب الجهل أو الانفعال اليكم
خلاصة الدرس والمعنى هنا .
تُحرّك الثورةُ مشاعرَ الناس وتوقظ فيهم أجمل ما فيهم من قيم التعاون والتضامن والتسامح والرومانسية الثورية، بينما تتعامل السياسة مع الواقع كما هو: شبكة معقدة من المصالح والقوى والتوازنات، حيث يمكن أن تنزلق—إن غابت الضوابط—إلى الأنانية والصراع والعنف. وبين هذين المستويين، العاطفي والمؤسسي، تتحدد ملامح مصير المجتمعات، خاصة تلك التي تقوم على بنية مساواتية انقسامية؛ المجتمعات المساواتية، حيث لا تفاضل جوهري بين الأفراد على أساس النسب أو الأصل أو المكانة الاجتماعية، يبدو الجميع متساوين في القيمة والجدارة. غير أن هذه المساواة الظاهرة تخفي تحتها بنية انقسامية عميقة: عائلات، عشائر، قبائل، مناطق، طوائف، وهويات متجاورة لا مندمجة ولا منفصلة. هذا النسيج المركب يجعل من السلطة السياسية موضع صراع دائم، لأن كل فاعل اجتماعي يرى نفسه ندًّا لغيره، ويرى في نفسه الأحقية بالمشاركة أو القيادة فالمساواة الاجتماعية لا تعني بالضرورة الاستقرار السياسي، بل قد تؤدي—في غياب المعايير—إلى صراع مفتوح على السلطة والثروة والجاه. إذ حين لا توجد قواعد واضحة وعادلة ومقبولة لتنظيم الوصول إلى الوظيفة العامة أو إدارة الشأن العام، تتحول المنافسة إلى نزاع، والنزاع إلى صراع، والصراع إلى حالة دائمة من الاحتقان القابل للانفجار في أي لحظة.

الثورة بوصفها حلم جماعي وحماس انفعالي ، لا تبني مؤسسات؛ بل تفتح المجال لبنائها. هي لحظة تفجير للطاقة الاجتماعية، لكنها ليست بديلاً عن النظام. أما السياسة الرشيدة، فهي فن تحويل تلك الطاقة إلى مؤسسات مستقرة، تحكمها قواعد وقوانين لا أشخاص. ومن هنا يمكن فهم الفارق الجوهري:
الثوري يراهن على تعبئة المشاعر، بينما السياسي المحنك يراهن على بناء المؤسسات.
هل يتحدث الجميع إذن تلك هي الثورة ! هل يتحدث الخبراء إذن تلك هي السياسة !
إذ إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات المساواتية هو إدارة الشأن العام بمنطق العلاقات الشخصية أو الولاءات الضيقة. فعندما تُختزل الوظيفة العامة في القرب من صاحب القرار، أو تُوزع المناصب وفق الانتماءات المناطقية أو العائلية، فإن ذلك يقوض فكرة الدولة من أساسها، ويعيد إنتاج الصراع بصورة أكثر حدة وخطورة. إذ يشعر الآخرون بالإقصاء والظلم، فتتآكل الثقة، وتضعف الشرعية، وتتحول المؤسسات إلى أدوات صراع بدل أن تكون أدوات تنظيم فالمعيار الحقيقي للاستقرار ليس في الشعارات، بل في وجود قواعد محايدة وشفافة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. قواعد تضمن أن يتولى المسؤولية الأكفأ، لا الأقرب، وأن تُدار الموارد العامة وفق مصلحة الجميع، لا وفق شبكات النفوذ. هذه المعايير ليست ترفًا تنظيميًا، بل شرطًا وجوديًا لبقاء الدولة نفسها.

وفي هذا السياق، يصبح التسامح مفهومًا محوريًا، لكنه ليس نوعًا واحدًا. فهناك تسامح سلبي يقوم على اللامبالاة والانسحاب من الشأن العام، وهو تسامح هش لا يصمد أمام الأزمات. وهناك تسامح إيجابي، يقوم على الاعتراف المتبادل بين الأفراد والجماعات، وعلى الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه المجتمع ومؤسساته. هذا النوع الأخير هو وحده القادر على خلق بيئة مستقرة قابلة للتطور غير أن التسامح لا يكفي وحده؛ إذ لا يمكن بناء حاضر مستقر دون تصالح مع الماضي. التصالح ليس تنازلاً عن الحقوق، بل هو فهم عميق لجذور الصراع، وتحرر من أعبائه النفسية والسياسية، بما يسمح بإعادة بناء العلاقات على أسس جديدة. ومن دون هذا التصالح، يظل الماضي حاضراً في كل لحظة، يغذي الشكوك ويؤجج النزاعات.

إن بناء دولة مستقرة في مجتمع مساواتي انقسامي يتطلب ثلاثة شروط مترابطة:
أولها، تصالح صادق مع الماضي؛
ثانيها، تسامح إيجابي في الحاضر؛
وثالثها، مؤسسات قوية تحكم المستقبل.

هذه الثلاثية ليست خيارًا، بل ضرورة. فالمجتمعات التي تفشل في تحويل ثوراتها إلى مؤسسات، تبقى أسيرة لحالة ثورية دائمة، سرعان ما تتحول إلى فوضى. أما المجتمعات التي تنجح في بناء مؤسساتها على أسس عادلة، فإنها تضمن لنفسها الاستمرار، مهما تغيرت الوجوه وتبدلت القيادات.

في النهاية، الأشخاص يأتون ويذهبون، أما المؤسسات فهي التي تبقى—إذا وُجد من يحميها ويصونها. والمجتمعات التي تدافع عن مؤسساتها أكثر مما تدافع عن الأشخاص، هي وحدها القادرة على العبور من لحظة الثورة إلى أفق الدولة.

وهنا تكمن الخلاصة:
ليس السؤال من يحكم، بل كيف يُحكم.
وليس الرهان على النوايا، بل على القواعد.
فحيث توجد المعايير، يولد العدل.
وحيث تغيب المعايير تنهار المؤسسات. والحليم تكفيه الإشارة ..

ضع اعلانك هنا