الكاتب / الدكتور نجيب جبريل ..
في خضم الجدل الذي أثاره قرار عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، برزت مفارقة سياسية لافتة لا يمكن تجاهلها. فقد أصدر الخنبشي توجيهاً يقضي بفصل مئات الجنود من لواء بارشيد، ممن ينتمون إلى مناطق خارج حضرموت، تحديداً من ردفان ويافع والضالع، في إطار ما يُعرف بتوجه “حضرمة” القوات العسكرية، أي قصر قوامها على أبناء المحافظة..
وقد شمل القرار إزالة أسماء هؤلاء الجنود من كشوفات الرواتب، دون توضيح رسمي مفصل للأسباب، فيما بررت مصادر محلية الخطوة بأنها تأتي ضمن إعادة تنظيم التشكيلات العسكرية لتكون محلية الانتماء..
هذا القرار، رغم ما يحمله من حساسية، قوبل بتأييد واضح من قبل قوى سياسية ونخب محسوبة على صنعاء، التي اعتبرته خطوة شجاعة تعكس حق أبناء حضرموت في إدارة شؤونهم الأمنية والعسكرية، وحماية مواردهم من الاستنزاف.
لكن هذا التأييد نفسه يكشف عن تناقض عميق حين نقارنه بالموقف من تهامة، حيث يُرفض بشكل صريح أي توجه مماثل يمنح أبناءها حق إدارة أرضهم أو امتلاك السيادة والقرار العسكري والسياسي في أرضهم..
المشكلة هنا ليست في المبدأ ذاته، بل في الانتقائية في تطبيقه. فمن يدافع عن “حضرمة القرار” اليوم، هو نفسه من يقف ضد “تهامة القرار”. وكأن الحقوق تُمنح وفق الجغرافيا أو الاصطفاف السياسي، لا وفق مبدأ العدالة..
هذا التناقض يعكس أزمة أعمق في العقل السياسي اليمني، حيث لا تُبنى المواقف على قواعد ثابتة، بل على حسابات النفوذ..
فتهامة، رغم موقعها الاستراتيجي وثقلها السكاني وتضحيات أبنائها، لا تزال تُعامل كمساحة نفوذ، لا ككيان يستحق التمكين. يُطلب من أبنائها القتال، لكن لا يُسمح لهم بالشراكة العادلة أو إدارة شؤونهم..
إن الحديث عن العدالة والمواطنة المتساوية لا يمكن أن يكون مجتزأً. فإذا كان من حق حضرموت أن تعيد تشكيل قواتها من أبنائها، وأن ترفض استنزاف مواردها، فإن تهامة تمتلك الحق ذاته دون انتقاص.. بل إن تمكين تهامة لم يعد خياراً، بل ضرورة لضمان الاستقرار وإنهاء التهميش المزمن..
وهنا نؤكد بانه لا يمكن بناء دولة عادلة بمنطق المعايير المزدوجة. فإما أن تكون الحقوق شاملة للجميع، أو تتحول إلى أدوات سياسية انتقائية.
وتهامة اليوم لا تطلب امتيازاً، بل تطالب بحقها وبأن تُعامل كما تُعامل حضرموت: شريكاً في القرار، لا تابعاً لباب اليمن..
منشور برس موقع اخباري حر