“صحيفة الثوري” – (في الذاكرة):
تعيد “صحيفة الثوري” نشر نص الكلمة التي ألقاها الشهيد جار الله عمر الأمين العام المساعد #للحزب_الاشتراكي_اليمني، قبيل استشهاده بدقائق في المؤتمر العام الثالث للتجمع اليمني للإصلاح، والتي كانت كلماته فيها تعبيراً صادقاً عن رؤية سياسية ناضجة، وإيمان عميق بالحوار والديمقراطية والتعددية، وحرص وطني على صون السلم الأهلي وبناء الدولة (دولة النظام والقانون والمؤسسات).
لم تكن هذه الكلمة مجرد خطاب بروتوكولي، بل وثيقة فكرية سياسية جسّدت روح التلاقي بين القوى الوطنية، وقدّمت قراءة جريئة لواقع اليمن وتحدياته الداخلية والخارجية، ودعوة واضحة لإصلاح سياسي شامل، وتعزيز الشراكة الوطنية، وتغليب مصلحة الوطن على الخلافات الحزبية. وهي اليوم، بما حملته من مواقف ومسؤولية وطنية، تمثل شهادة خالدة على نهج آمن بالاختلاف الخلّاق، وبأن مستقبل اليمن لن يُبنى إلا بالحوار والديمقراطية والعدالة وقبول الآخر.
“نص الكلمة”
ضيوف المؤتمر
الأخوات المندوبات
الإخوة المندوبون
يسرّ اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني وأمانتها العامة أن تهدي إلى الأخوة والأخوات المشاركين في المؤتمر العام الثالث للتجمع اليمني للإصلاح، الدورة الأولى، تحياتها وتمنياتها لأعماله بالنجاح. كما نبلغكم تحيات الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني الأستاذ/ علي صالح عباد (مقبل)، واعتذاره عن حضور مؤتمركم هذا، الذي ما كان ليتخلّف عنه لولا ظروفه الصحية المانعة.
السيدات والسادة أعضاء المؤتمر
ينعقد مؤتمركم هذا في ظل أوضاع داخلية وخارجية بالغة الخطورة، حيث تتفاقم الأزمات العامة، وتزداد أعمال الانتهاك لحقوق الإنسان، وتضيق فرص العيش، خصوصاً في بلادنا، حيث تتسع البطالة لتبلغ الحد الأعلى في العالم، ويخيم الفقر، وتُقيَّد حريات التعبير والحق في الاحتجاج بقيود متعاظمة كل يوم.
ورغم كل ذلك، فإننا في الحزب الاشتراكي اليمني كنا وما زلنا نراهن على الحركة السياسية الوطنية وجماهير الشعب كضمانة للحد من طغيان الاستبداد والفساد. وفي هذا السياق، تحتل المعارضة السياسية، والتجمع اليمني للإصلاح بالذات، مكانة بارزة لا يمكن تجاهلها، وعاملاً من عوامل التوازن المطلوب بإلحاح للاستقرار السياسي والتطور والنهضة بطريقة سلمية.
لقد مرّت على وطننا اليمني أحداث متتالية منذ تحقيق الوحدة اليمنية، وأصبح من الضروري الاستفادة من تجارب الماضي واستخلاص العبر من أحداثه. وقد قام الحزب الاشتراكي اليمني بتقويم مسيرته، ولعل أهم العبر ذات الصلة بالأوضاع الراهنة يمكن تلخيصها بما يلي:
أولاً: إن الديمقراطية ضرورية لأي حزب كي يتجنب الصراعات الداخلية، كما هي ضرورية لتجنيب الأوطان آثار التشظي والتفتت وويلات العنف والحروب الأهلية.
ثانياً: إن الديمقراطية منظومة متكاملة لا تتجزأ، أساسها المواطنة المتساوية، واحترام العقد الاجتماعي بين الحكام والمحكومين، وصيانة الحريات والحقوق الإنسانية دونما تمييز لأي سبب كان، والقبول بالتعددية الفكرية والسياسية، وعدم الاكتفاء من الديمقراطية بالتسمية ومظاهر الزيف الخارجية.
ثالثاً: إن جمهور المواطنين يحتاج على الدوام إلى تأمين حد أدنى من المساواة في الفرص لتأمين لقمة العيش، وقدر من العدالة والخدمات الاجتماعية المتاحة للجميع.
رابعاً: إن تأمين السيادة الوطنية يقتضي توازن المصالح بين الفئات الاجتماعية والمناطق المختلفة للبلاد، بهدف سدّ الثغرات التي يمكن للقوى الخارجية المعادية النفاذ منها للانتقاص من هذه السيادة. لقد نجحت اليمن في تحقيق السلام مع جيرانها بعد حل الخلافات الحدودية، وهي تحتاج اليوم إلى السلام مع نفسها، بهدف خلق جبهة داخلية متماسكة تصون سيادة الوطن، وتسخير كافة الجهود والموارد لتحقيق التنمية بدلاً من شراء الأسلحة.
خامساً: إن تقوية النظام السياسي للبلاد تفترض وجود معارضة قوية مستندة إلى مجتمع زاخر بالحراك والفعالية، والمنظمات الأهلية المستقلة بعيداً عن السيطرة الرسمية، وبالصحافة الحرة المؤثرة، والإبداع الحر. ولا شك أن قيام اللقاء المشترك يشكل خطوة على هذا الطريق، بعد أن أصبح إحدى حقائق الحياة السياسية في اليمن.
سادساً: إن التجربة الديمقراطية في اليمن قد بلغت درجة من الركود والشيخوخة المبكرة، وهي تحتاج إلى إصلاح سياسي واسع وشجاع حتى تعود إلى شبابها. كما أن اليمن بحاجة إلى مجلس نواب يمثل اليمن بكل فئاتها الاجتماعية ومصالحها المختلفة، ويضم بين صفوفه خيرة العناصر والقيادات الاجتماعية والسياسية والعلمية في البلاد، مجلس نواب يشبه اليمن بتنوعه ووحدته وتعدد تياراته الفكرية والسياسية.
سابعاً: إن اليمن بحاجة ماسّة إلى تسريع الخطى في طريق التحديث عبر سياسات شاملة تؤهلها للالتحاق بركب العالم المعاصر، وتجعل منها إضافة نوعية إلى أي تجمع إقليمي تلتحق به. ويتطلب ذلك جملة من الإجراءات والقوانين الثورية، بما في ذلك التصدي لثقافة العنف ومنع الثارات، والإسراع في إصدار قانون ينظم حيازة وحمل السلاح ومنع المتاجرة به، بدلاً من قانون منع المظاهرات المعروض على البرلمان في الوقت الراهن، وهو قانون يناهض العصر والديمقراطية، وينبغي لكل دعاة التقدم والديمقراطية التصدي له، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية.
السيدات والسادة الحضور
لقد خاض التجمع اليمني للإصلاح وأحزاب مجلس التنسيق، ومنها الحزب الاشتراكي، تجربة مشتركة خلال الفترة الماضية ضمن اللقاء المشترك، خصوصاً مع بدء الاستعداد للانتخابات المقبلة لمجلس النواب. وقد أثبتت هذه الفترة إمكانية الاتفاق على مواقف مشتركة لصالح توفير الشروط لتسوية المسرح السياسي الوطني بالتنافس الحزبي في ظل الظروف الراهنة، ومقاومة نزوع بعض الأوساط الحاكمة نحو مزيد من تزييف إرادة الناخبين، واكتساح الساحة السياسية الوطنية برمتها، وتوزيع حصص ضئيلة على بقية الأحزاب كهبات.
لقد تمكن اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام من التوصل إلى اتفاق تعديل قانون الانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، وتنفيذ عملية القيد والتسجيل، رغم ما صاحبها من مخالفات وتجاوزات للقانون والحقوق المكفولة للناخبين. وهي تجربة أثبتت جدوى الحوار والتفاهم، ورغم ذلك لا يساورنا أي وهم بمدى الديمقراطية المسموح به، إذ لا نزال بعيدين جداً عن الديمقراطية الحقة والتداول السلمي للسلطة، تلك الأهداف التي ما زالت ماثلة أمام جميع الوطنيين اليمنيين، وسوف تتحقق ذات يوم بالصبر والعمل والمثابرة.
الأخوات والإخوة الحضور
أيتها المندوبات والمندوبون
إن اليمن بحاجة إلى إرساء دولة النظام والقانون والمؤسسة، والتفرغ لمواجهة التحديات الكبرى في المجالات المختلفة، وأهمها تعثر التنمية، وشحة المياه، وتكاثر السكان، وتفشي الفقر والفساد والأمية، وتهميش المرأة، وتراجع الهامش الديمقراطي، وسيادة التخلف العلمي والمعرفي، حتى بمقاييس البلدان المتخلفة، إلى جانب العجز أمام تحديات العولمة وقواها المؤثرة التي ستفرض مصالحها ورؤاها وسياساتها وقيمها على الآخرين دون اكتراث باحتياجاتهم الصاخبة.
إن هذه التحديات الكبيرة الداخلية والخارجية تفرض على كل القوى السياسية الحية والفعاليات الاجتماعية في السلطة والمعارضة النهوض بواجباتها، والدخول دون تردد في حوار جاد ومسؤول، وصولاً إلى بلورة ما يمكن الاتفاق عليه من أهداف مشتركة، والسعي إلى تحقيق تلك الأهداف، ولو بأساليب متباينة حسب موقع كل طرف داخل المجتمع وتأثيره وسط فئاته المختلفة. ذلك أن النجاح في الوصول بالحوار الوطني إلى أهداف مشتركة أنفع للوطن والمواطنين من استمرار الاختلاف على كل شيء، مع الاحتفاظ لكل طرف بحقه في التمسك بما يراه حيوياً من أهداف ورؤى وبرامج خاصة.
وانطلاقاً من هذا التوجه، كلفت اللجنة المركزية في دورتها الرابعة المنعقدة في أبريل 2002م مكتبها السياسي وأمانتها العامة التقدم بمبادرات سياسية تتضمن جملة من المقترحات والدعوات إلى الحوار بين القوى السياسية الفاعلة، بهدف تدارس الأوضاع بعد أحداث سبتمبر 2001م في الولايات المتحدة الأمريكية، وسبل تجنيب بلادنا وشعبنا آثار الوضع الدولي الناشئ بعدها. ولا تزال هذه المبادرة قائمة وذات مغزى، خصوصاً في ظل التطورات الراهنة. وفي هذا السياق، فإن الحزب الاشتراكي اليمني يعبر عن ترحيبه بدعوة رئيس الجمهورية إلى الاصطفاف الوطني لمجابهة التحديات والمخاطر القائمة، الأمر الذي يلح على قيام مثل هذا الحوار الصريح والبناء.
السيدات والسادة
ينعقد مؤتمركم هذا في ظروف دولية تتسم بالهيمنة القطبية الأحادية، استباقاً لتعددية متوقعة يحاول القطب المهيمن خلالها فرض تفرده بقرارات حاسمة ومؤثرة على مسار السياسة العالمية في مختلف الأقاليم، وضمان مصالحه في التطورات المستقبلية. كما ينعقد المؤتمر في ظل سعي حثيث للأوساط اليمينية الحاكمة في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة رسم الخارطة السياسية في العالم العربي والشرق الأوسط، بما يؤمن هيمنة إسرائيل العسكرية والسياسية والاقتصادية على المنطقة، وفرض تسوية للصراع العربي الإسرائيلي ملائمة لها، في ظل عجز عربي واضح مؤسس على ضيق الهامش الديمقراطي، والتضحية بالتنمية الشاملة المتوازنة، والتضامن العربي الفعال، لصالح استحواذ القلة في كل بلد عربي على السلطة والثروة.
ومما أعطى إسرائيل الفرصة والغطاء الكاملين لارتكاب فضائع اغتيال الناشطين والقادة الميدانيين للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وتقتيل وترويع المدنيين الفلسطينيين، وهدم البيوت، وتوسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية من جهة، وحشد الجيوش والعتاد الحربي المروع استعداداً للعدوان على العراق من جهة أخرى، إلا خطوات على هذا الطريق.
إننا، من موقع العجز عن فعل ما هو أكثر تأثيراً، نعلن تأييدنا لنضال الشعب العربي الفلسطيني في سبيل إقامة دولته المستقلة على أرضه، حسب قرارات مجلس الأمن الدولي والشرعية الدولية، كما نؤيد حق هذا الشعب في مقاومة الاحتلال والاستيطان الإسرائيليين بكافة الوسائل المتوفرة، استناداً إلى ميثاق الأمم المتحدة. وندعو الدول العربية وشعوبها، وجميع الدول والقوى السياسية، وبقية منظمات المجتمع المدني في العالم أجمع، إلى كسر الصمت وتقديم كل مقومات الدعم المادي والمعنوي لنضال الشعب العربي الفلسطيني المشروع.
كما نعلن أيضاً تضامننا مع شعب العراق في سبيل حياة آمنة وكريمة على أرضه دون تدخل أو إملاء، ونعلن رفضنا لأي عدوان عسكري على العراق، ونطالب مجلس الأمن بالإشراف الكامل على تنفيذ القرار (1441)، وندعوه والمجتمع الدولي بأسره إلى العمل على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل.
وإذ نجدد إدانتنا ورفضنا للإرهاب بكل أشكاله وصوره، فإننا نرى أن التغلب عليه غير ممكن دون القضاء على أسبابه، وتجفيف منابعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وفي هذا السياق، فإننا ندين إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل ضد المواطنين الفلسطينيين، وضد السلطة الفلسطينية المنتخبة.
لقد استمعنا جميعاً إلى مبادرة وزير الخارجية الأمريكية كولن باول تجاه الدول العربية والشرق الأوسط، المعروفة بمبادرة الشراكة، وما ثار ويثور حولها من جدل. ونحن نعتبر ما ورد في تلك المبادرة حول التنمية والديمقراطية خطوة إلى الأمام، نأمل أن تجد طريقها إلى التحقيق. إن الولايات المتحدة دولة عظمى لا يمكن لأي بلد أن يعيش في قطيعة معها إلى ما لا نهاية، وما يجب أن يُرفض في سياستها الخارجية هو استخدام الطائرات والبوارج لفرض السياسات بالقوة، ودعم الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. أما الشراكة في التنمية والديمقراطية فأمر لا ينبغي رفضه.
الأخوات والإخوة الضيوف
أيتها المندوبات والمندوبون
إن #الحزب_الاشتراكي_اليمني، إذ يهنئ قيادات وقواعد التجمع اليمني للإصلاح على عقد مؤتمرهم هذا، فإنه يعرب عن ارتياحه للخطاب الإعلامي والسياسي الراهن للتجمع اليمني للإصلاح، القائم على القبول بالآخر والانفتاح، واعتماد الحوار المتكافئ سبيلاً وحيداً للتوصل إلى حلول للقضايا والمشكلات التي تهم الوطن والمواطنين.
لقد مرت العلاقات بين التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني بمحطات عديدة، وهي اليوم أفضل من أي وقت مضى، وقابلة للمزيد من التعاون والتنسيق. ومهما كانت أوجه التباين الفكري والبرنامجي، فإننا في الحزب الاشتراكي اليمني عازمون كل العزم على تغليب مصلحة الوطن، وترسيخ أسس الديمقراطية، وإبقاء الماضي وراء ظهورنا باعتباره تاريخاً، والتطلع بكل عقولنا إلى المستقبل، والتعامل مع كل القوى السياسية الفاعلة على قاعدة التعدد وقبول الآخر، والحوار المتكافئ، والتنافس الشريف، ومحاولة سد ثغرات تجربة الديمقراطية وتوسيع هامشها المتاح، والانتقال تدريجياً بالحياة السياسية اليمنية في الآتي من الزمن إلى رحاب الديمقراطية الناضجة والتداول السلمي للسلطة، في ظل يمن ديمقراطي موحد مزدهر.
وأخيراً، أكرر تحياتي، وتحيات كل أعضاء الحزب الاشتراكي اليمني، لهذا الجمع المبارك من أعضاء المؤتمر، وأقول لهم إن أنظار كل أبناء اليمن تتجه إلى هذه القاعة، وهي تتطلع إليكم، واثقين كل الثقة بأنكم ستخرجون في مؤتمركم هذا بكل ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وبمزيد من التجديد والتأهيل النظري الشرعي للحرية والديمقراطية والنهضة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رابط قناة الحزب الاشتراكي في الواتساب
https://whatsapp.com/channel/0029VaGiDrN3GJP6tpE7th3h
منشور برس موقع اخباري حر