كتب: الدكتور عبدالقادر البناء
صحيفة الثوري – (في الذاكرة)
https://althawry.net/70204/
في الذكرى الـ46 لاستشهاد المناضل الخالد د. عبد السلام الدميني وأخويه: عبدالله وعبدالكريم، نذكّر بأننا لم ولن ننسى الجريمة الشنعاء، وبأن تعاقب السنين لن ينسينا الجريمة، ولن يفلت المجرمون من العقاب، سواء كانوا أحياء أم أمواتًا. لذلك سنواصل التذكير بأهم التفاصيل، وسأوجز أدناه ما حدث قبل وبعد استشهاد الرفيق عبد السلام وأخويه عبدالله وعبدالكريم.
كنت على تواصل مع الشهيد بشكل متقطع طوال الأسابيع التي سبقت استشهاده. وكان الشهيد في تلك الفترة منكّباً مع رفيقيه جارالله عمر ويحيى محمد الشامي في متابعة تفاصيل عملية حوار الجبهة الوطنية الديمقراطية مع نظام صنعاء وضمانات نجاحها، وغير متوقعين أن يغامر صالح وأجهزته بخرق الاتفاقات الموقعة بينهما، كما حرص الشهيد طوال الأشهر السابقة لاستشهاده على بذل جهود مكثفة ومتواصلة للتواصل مع مناضلي الجبهة وقياداتها الدنيا في مناطق عديدة ومتباعدة، لشرح تطورات الوضع وحاجة الجبهة والوطن عمومًا لانتهاج المسار السلمي الديمقراطي ووقف المواجهات المسلحة.
كان منهكاً جداً وبأمس الحاجة لإجراء فحوصات علاجية وأخذ قسط من الراحة، لهذا أجرى التواصل مع بعض الأصدقاء والرفاق في موسكو لتجهيز دعوة لزيارة علاجية إلى موسكو. توليت شخصيًا متابعة استخراج الفيزا له من السفارة الروسية، لأني كنت أقضي إجازة دراسية في صنعاء حينها، وقررنا السفر معًا إلى موسكو في النصف الثاني من شهر أغسطس 1980، لكن للأسف ماطل موظفو القنصلية الروسية في إصدار التأشيرة للشهيد في الموعد السريع المعتاد، وأخروا موعد تسليم التأشيرة أكثر من مرة، وكان آخر موعد أعطونا إياه لتسليم الفيزا هو الأسبوع الأول من سبتمبر.
وقبل فترة من قرار السفر، كان الشهيد قد تمكن من استئجار بيت متواضع في صنعاء، في الحي الواقع خلف (جنوب) نادي ضباط القوات المسلحة، وبعد أيام من السكن في البيت كان مخبرو النظام قد أخذوا مواقعهم في أماكن عديدة حول البيت، وبطريقة مستفزة وشبه مفضوحة، ولأن البيت كان فيه تلفون أرضي، فقبل استشهاده بيومين أو ثلاث فقط، تلقى اتصالًا من الرئاسة، وكنت أنا وأخوه عبد الكريم بجانبه في ذلك اليوم حين أخبروه بأن الرئيس سيتحدث معه.
الشهيد جارالله عمر
وفعلًا تمت بينهما محادثة طويلة، تضمنت مطالبة الرئيس للشهيد بأن يستقر في العاصمة ويقطع اتصالاته بأبناء القبائل ومشائخ شمال صنعاء، كما تضمنت عرضًا بصرف وسيلة مواصلات وكل مستلزمات الاستقرار والعيش الهانئ في صنعاء مقابل ذلك، هذا العرض استفز الشهيد وجعله يتحدث بلغة المصدوم من تمادي الرئيس في الحديث معه حول أمور كهذه، وظل يؤكد حرصه على التقيد بتنفيذ برنامج النضال السلمي وبالاتفاقات المبرمة مع النظام، وأن السلطة يفترض أن تبارك جهوده وتحركاته لإقناع الناس في أي مكان بالبرنامج السلمي للجبهة وبالتحولات الديمقراطية المتوقعة.
وقد أظهر الشهيد للرئيس استغرابه من كثافة أعداد المخبرين المحيطين ببيته والذين سبب تواجدهم بذلك الشكل إقلاقًا له وللناس في الحي، فوعده الرئيس بمعالجة الأمر.
كما أشار الشهيد في سياق حديثه إلى نيته في السفر قريبًا إلى موسكو للاستشفاء، وأنه سيزور أسرته في تعز للتوديع قبل السفر.
النية كانت معقودة للسفر إلى موسكو خلال الأسبوع الأول من سبتمبر إذا تم تسليم الفيزا، أي بعد العودة من تعز مباشرة.
أما مغادرة صنعاء إلى تعز فكان يفترض أن تتم قبل ظهر يوم 28 أغسطس 1980، لهذا فقد توادعت معه ومع أخويه مساء يوم 27 أغسطس، لأني لم أكن أسكن معه في نفس الشقة.
مر يوم 28 ونحن لا نعرف شيئًا عما حدث طوال النهار ولا عن موعد مغادرة الشهداء لصنعاء، لا أنا ولا أخوهم د. عبد الإله.
صباح يوم 29 أغسطس تم الاتصال بأخيه عبد الإله من قبل شرطة معبر وأبلغوه بأن إخوته الثلاثة تعرضوا لحادث مميت في نقيل يسلح ونقلوا إلى مستشفى ذمار.
جاءني عبد الإله فورًا وأبلغني الخبر وتحركنا سويًا صوب يسلح ومعبر، وفي نقيل يسلح عند أول منعطف ونحن نازلين، وجدنا في المنحدر أيمن الطريق سيارة بيجوت قديمة زرقاء، منزلقة خالية ومهشمة قليلًا في مقدمتها، لكن باقي أجزائها شبه سليمة، كانت قد سقطت/أُسقطت إلى الجهة اليمنى أسفل طريق الأسفلت، وظلت محصورة في دكة صغيرة من الجبل، يليها هوة سحيقة نحو أسفل النقيل، أي أنها دُفعت لتنزلق يمينًا من الطريق العام نحو الهاوية، لكن سقوطها توقف بعد أن هوت حوالي ثلاثة أمتار فقط، (ولو كانت مسرعة وواصلت السقوط من ذلك الارتفاع الشاهق لتهشمت تمامًا ومزقت معها الجثث لتخفي آثار الجريمة).
واصلنا طريقنا إلى معبر، واستقبلنا أحد الضباط ليوضح لنا أنهم أُبلغوا بعد منتصف الليل بحصول حادث كان قد اكتشفه جنود المعسكر الواقع أعلى النقيل، وأنهم وجدوا الجثث ميتة ونقلوها إلى مشفى ذمار.
واصلنا المشوار نحو ذمار لنجد الجثث ملقاة في طارود المشفى، وبعد تفحصها لم نحتج لتوضيحات إضافية لأن آثار الشنق كانت واضحة جدًا على أعناقهم، وكان كل من تواجد لحظتها معنا في المشفى يؤكد بقناعة أن العلامات الموجودة على أعناق الثلاثة الشهداء لا تدع مجالًا للشك بأن حادث السيارة لا علاقة له بالموت، وعند طلب التقرير سلموا لعبد الإله تقريرًا يشير إلى واقعة الشنق.
تداولنا في ما يمكن عمله، وتواصل عبد الإله مع أقاربه، ولم يكن الظرف لحظتها يسمح بغير اتخاذ قرار الدفن والعودة إلى صنعاء. وفعلًا دفناهم في مقبرة ذمار جوار بعض، وغادرنا ونحن في حالة يصعب وصفها.
وقد توجهت فورًا حال وصولي صنعاء صوب بيت الرفيق عبد القادر هاشم (الذي كان على تواصل مع وفد الجبهة المفاوض) وأبلغته بما جرى لكي يتولى تبليغ تفاصيل ما جرى إلى باقي وفد الجبهة وإلى قيادة الحزب.
من خلال الوقائع أعلاه التي كنت أنا شخصيًا، وأخو الشهداء الثلاثة قد تتبعناها عن قرب، لم يعد الكثير خافيًا في مشهد الجريمة التي تشير كافة الدلائل القاطعة إلى أن أجهزة النظام هي من ارتكبها، والمقصود هنا هو الكيفية التي استُرجع فيها الشهداء لإيصالهم إلى أجهزة الأمن، وهل أوصلوا إلى مبنى الجهاز نفسه، أم إلى مبنى تابع للجهاز، هل احتاج النظام إلى إجراء جلسات استنطاق وسحب معلومات أو حاول إبرام صفقة، أم أن قرار إعدامهم كان قد اتخذ، ولم يبقَ سوى التنفيذ…
هذه التفاصيل رغم أننا اليوم لا نزال نحتاجها وسنتابعها بكل الوسائل الممكنة، لكن تأخر ظهورها لا يمكن أن يقود إلى التشكيك في حجم الجريمة وفي هوية الضالعين فيها
رابط قناة الحزب الاشتراكي اليمني على الواتساب
https://whatsapp.com/channel/0029VaGiDrN3GJP6tpE7th3h
منشور برس موقع اخباري حر