ضع اعلانك هنا

سجال حامي مع الفيلسوف العراقي نمير العاني ، “لازال لماركسية ماركس من يدافع عنها وينصفها”

سجال حامي مع الفيلسوف العراقي نمير العاني ، “لازال لماركسية ماركس من يدافع عنها وينصفها”

 

قبلة سبعة أيام وفي ليلة العام الميلادي الجديد نشرت مجلة قمران الفكرية الثقافية الأردنية الجز الأول من دراسة بحثية عن الماركسية والدين من منظور نقدي جديد. ولما كنت اعلم بان الدكتور نمير العاني من اصلب المدافعين عن ماركس وفلسفته ولازال يرفع صورته في بروفايله بالواتساب فقد بعثت اليه المقال بغرض تقييمه فإذا به يكتب هذا النقد العنيف الذي كنت اتوقع اشد منه من استاذي الذي افتخر بانني كنت تلميذه النجيب في جامعة عدن منتصف ثمانينيات القرن المنصرم. اليكم ما كتبه رغم قسوته وسوف تجدوني مقالي في رابط مجلة قمران في أول تعليق

 

” عزيزي د. قاسم، تحية طيبة!

لقد قادتني قرائتي لمقالتك “الماركسية و الدين من منظور نقدي جديد” (الجزء الاول) الى الملاحظات التالية:

اولاً- ان التمهيد، الذي يشكل اكثر من نصف النص المنشور بقليل، هو مجموعة من الافكار التي لا تمت بصلة الى موضوع المقالة. فهو ينطوي على افكار متباينة عن الانسان ككائن عاقل، و عن “الكون بوصفه ذكرا و انثى” و عن النظرة الدونية للمرأة و استعبادها، و عن سلوك الناس “وفق لما يعتقدون”. و عن “نزع السحر عن العالم” ..الخ، مع حشر اسماء هوبز و فويرباخ و هيجل و ماركس و دارون و نيتشة و آخرين دون سبب وجيه. فما علاقة كل ذلك بالماركسية و الدين؟ و عليه، فمن الممكن اسقاط التمهيد كليةً دون ان تتاثر المقالة، لا من بعيد، و لا من قريب.

ثانياً- ان التمييز بين الدين و التدين (السياسة و السياسي..الخ) لا معنى و لا اهمية له في مقالة ذات دلالة ملموسة و موضوع محدد هو “الماركسية و الدين”.

ثالثاً- ان استعراضك لتعريفات الدين جاء سريعاً و مقتضبًا و ناقصاً بصورة غير مبررة. فقد كان الاولى بك ان تستعرض تطور الفهم الفلسفي للدين، ابتداءً من اكسينوفانس و ديمقريطس، وصولاً الى ماركس، و الذي كان ينبغي التوقف بصورة مستفيضه عند فهمه للدين و معالجته، كما وعدت القارىء، “من منظور نقدي جديد”.

رابعاً- ان الماركسية هي مجمل تعاليم ماركس و انجلس، ماخوذةً في وحدتها البنيوية، و اننا بترديد هذا المصطلح ينبغي ان لا نعني شيئاً اخراً سوى ذلك، بالضبط كما اننا بالافلاطونية لا نعني سوى تعاليم افلاطون و بالهيجلية نعني تعاليم هيجل. و لذا فان البحث في موضوع “الماركسية و الدين” يتطلب دراسة كل ما كتبه ماركس و انجلس عن الدين و الاطلاع على ما كتبه الآخرون حول تصوراتهما في هذا الشأن ، و اخضاع كل ذلك الى تحليل نقدي بغية بلورة تصور كامل و مستقل حول هذا الموضوع . و لكن للاسف لا نجد شيئاً من هذا القبيل في مقالتك.

خامساً- ان الاسطر التي كرستها في مقالتك للحديث عن ماركس و الماركسية، و التي تشكل في مجموعها حوالي 20% من حجم المقالة، جاءت في حقيقتها ترديداً لكلام صحفي هابط، لا يجمعه جامع مع البحث العلمي الرصين. ان الاقتباس الوحيد الذي تضمنتة هذه الاسطر عن ماركس هو مقاربة الاخير بين الدين و الافيون، و الذي لا يمكن اعتباره تعريفاً للدين. ان ماركس يعطي في واحد من اعماله تعريفاً دقيقاً و شاملا للدين، و الذي، كما يبدو، انك تجهله تماما، و الأ لقمت باقتباسه، كما فعلت مع المقاربة المذكورة، و التي تشكل في حقيقتها نتيجة مستخلصة من هذا التعريف. و هذا يعني انك تجهل حقيقة فهم ماركس للدين. و عليه، ممكن القول بانك تحاول ان تحكم عما تجهله، و هذه مصيبة يعاني منها الكثير من الكتاب العرب، الذين لا يستقون مادتهم من مصادرها الاولية، بل ياخذونها نتفاً من مصادر ثانوية، يقومون على اساسها باصدار احكامهم . و مما يشهد على سوء فهمك لماركس هو التصور الذي ترجعه له عن الانسان “بوصفه مجموع علاقات اجتماعية”. فاين وجدت لدى ماركس قولاً يؤكد فيه ان الانسان هو “مجموع علاقات اجتماعية”؟ لماذا لم توثق ذلك بالاشارة الى المصدر؟ انك تكرر خطأً شائعاً، كان بمقدورك ان تتحاشاه لو كنت مطلعاً بشكل جيد على مؤلفات ماركس، و لاصبحت، عندئذ،ٍ على يقين بان ماركس لم يصرح بمثل هذا القول ابداً. انه لم يكن من السذاجة بمكان، بحيث يعلن الانسان ككائن حيوي “مجموع علاقات اجتماعية”. ان ما قاله ماركس فعلاً في موضوعته السادسة عن فويرباخ هو التالي:

ان جوهر الانسان في حقيقته هو “مجموع كافة العلاقات الاجتماعية” (ماركس ك. موضوعات عن فويرباخ // ماركس ك. و انجلس ف. المؤلفات، الطبعة الثانية. المجلد 3. موسكو،1955، ص 3- باللغة الروسية). فالحديث، كما نرى، يدور عند ماركس هنا ليس عن الانسان بشكل عام، بل عن جوهر الانسان تحديداً. و الانسان في جوهره هو كائن اجتماعي.

سادساً- انك تقول ان “الماركسية قد صارت من مخلفات التاريخ”، و تتحدث عن انهيار الماركسية و عن “الهزائم الساحقة” التي لحقت بها ..الخ، دون ان تقدم الدليل على ذلك. لقد فاتك تماماً ان ماركس لم يكن فيلسوفاً و حسب، بل و كان عالما اقتصادياً من الطراز الاولً، و ان نظريته الاقتصادية لا تزال تدرس في امهات الجامعات في العالم. و خلال العقدين الاخيرين، و مع دخول الاقتصاد الراسمالي عالميا في ازمة جديدة، ازداد الاهتمام بشكل ملحوظ بماركس في الغرب، و زاد الاقبال على مؤلفاته، التي باتت تطبع و تباع باعداد كبيرة. فعن اية هزائم للماركسية ممكن الحديث في ضوء ذلك؟و هل بامكان البناء الفكري و منظومة المفاهيم الفلسفية ان ينهاروا و ان نتحدث، مثلاً، عن انهيار الهيجلية؟

اني لا ازعم ان ماركس كان دوماً على صواب. انه بلا شك قد اخطأ ايضاً، و لكن كفة الصواب تبقى هي الراجحة في تصوراته و احكامه و تنبؤاته.

سابعاً- ان واحداً من الاخطاء التي وقعت فيها يتلخص في عدم تمييزك بين الماركسية و الانظمة التي زعمت انها جاءت تطبيقاً لها. ففي الحقيقة ان هذه الانظمة قامت بتشويه الماركسية، معتمدةً صيغاً ممسوخة لها، ادت في النهاية الى ظهور “ماركسيات” مختلفة، كالماركسية السوفياتية، و الماركسية اليوغسلافية، و الماركسية الصينية..الخ. هذا و لو قدر لماركس ان يكون وقتها حياً، لكرر ما سبق و ان قاله في حينه عن “ماركسية” مشابة بانه يعرف شيئا واحداً هو انه ليس ماركسياً.

لقد كان من المفروض بك كباحث يتوخى الموضوعية (و الحيادية، التي تتحدث عنها) ان تنصف الرجل و لا تحمله اوزار ما قام به من زعم انه من اتباعه. لقد كان عليك ان تدرس اعمال ماركس، ان تقرأ مؤلفاته بامعان (على الاقل تلك منها التي تتعلق بموضوع الدراسة) قبل الشىروع بالدراسة و اصدار الاحكام. الأ ان ذلك، للاسف، لم يحدث، كما يتضح جلياً من مقالتك.

ثامناً- انك تقول بان عبارة “ماركس الشهيرة. “الدين افيون الشعوب”…هي خطيئة الماركسية الكبرى و اثمها الاعظم…””، و تضيف : “نعتقد أن من بين الاسباب الخفية التي افضت إلى انهيار الايديولوجيا الماركسية هو موقفها من الدين”. ان عباراتك هذه بقت مجرد تصريحات خالية من الاساس. فهل، يا ترى، ان الدين بات هو الحقيقة المطلقة، التي انكارها يعني الوقوع في الخطيئة الكبرى و الاثم الاعظم؟ ام ماذا؟ و ان كان الموقف من الدين هو، كما تعتقد، “من بين الاسباب الخفية التي افضت الى انهيار الايدولوجيا الماركسية” (ان كان السبب خفياً، فكيف عرفته؟!) ، اي ان كان هذا الموقف هو احد اسباب عزوف الناس عن الماركسية ، فكيف تفسر، عندئذٍ، ان الماركسية كانت ، كما تكتب “واحدة من اهم الاتجاهات و المذاهب الفكرية و الايديولوجية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر و مارست تاثيرها على مختلف مناحي الحياة الفكرية و السياسية و الثقافية و الاخلاقية و السيكولوجية و الايديولوجية لسكان القرن العشرين في مشارق الارض و مغاربها…”؟ افلم تكن هذه الماركسية، التي الهمت عقول و هيمنت على قلوب مئات الملايين من الناس في القرن المذكور، تنطوي على الموقف نفسه من الدين، الدين الذي كانت سطوته آنذاك اعلى بكثير من سطوته الحالية. فلماذ، اذن،ان هذا الموقف من الدين لم يشكل آنذاك سداً منيعاً بين الماركسية و بين الملايين “في مشارق الارض و مغاربها “، التي آمنت بها و تبنتها، بل لماذا انه لم يدفن الماركسية و هي لا تزال في المهد، ان كان فعلاَ يشكل مطعناً قاتلاً فيها؟

تاسعاً- انك تعتبر “الانسان كائنا دينيا و ان الايمان جزءا جوهريا فيه، فلا وجود لإنسان بغير حاجة دينية …”. و لكن في هذه الحالة كيف تفسر ان اوائل البشر كانوا بلا دين، اي انهم لم يعرفوا الدين بعد، لان الدين لم يظهر الا عند مستوى معين في تطور المجتمع الانساني. فهل ان الناس في فجر ما قبل التاريخ لم يكونوا بشراً؟ او كيف تفسر وجود مئات الملايين من الملحدين في عصرنا، و الذين مع التقدم العلمي و التكنولوجي يزداد عددهم بمتوالية هندسية؟ فهل انهم ايضاً ليسوا بشراً؟ من الممكن انك ستجيب بانك تفهم الدين فهماً عريضاً، فالانسان من الممكن ان يعبد “انساناً او طبقة او حزبه، او المال او النجاح…”. و لكن هذا خلط واضح للاوراق. فعندما نتحدث عن الماركسية و الدين او نقول بان الانسان هو كائن ديني، انما نقصد الدين في معناه المباشر و ليس المجازي، اي نعني به شكلاً من اشكال الوعي الاجتماعي، مؤسسة اجتماعية محددة.

ان الدين هو صفة مكتسبة و ليس فطرية للانسان. انه يكتسبه بالتربية و التعليم من محيطه الاجتماعي. فمن يترعرع في وسط ديني يصبح في الاغلب “كائنا دينيا”، و من يتربى وسط عائلة لادينية، ملحدة يصبح في الاغلب كائناً لادينياً. فبمقدور الانسان ان يكون، اذن، بدين او بدون دين. اما اعتبار الدين صفة جوهرية للانسان، لا يمكن له ان يوجد بدونها، فهو تصور مجافي للحقيقة و الواقع.

بناءً على ما تقدم، و بغض النظر عما تخبؤه الاجزاء المتبقية من المقالة، استطيع ان اقول بان الجزء الاول المنشور من المقالة لا يرقى الى مستوى الدراسة الجادة و البحث الرزين.

في الختام آمل ان لا تزعجك ملاحظاتي النقدية و ان تتقبلها بصدر رحب، لأنني كنت اتوخى بها و من خلالها مصلحتك و سمعتك كمفكر و كباحث. و لعلك تجد عذري في ذلك في قول ارسطو المشهور: ان افلاطون عزيز علينا، و لكن الحقيقة اعز.

مع تمنياتي لك بالتوفيق.

نمير العاني

اوسلو في 7 كانون الثاني 2024”

 

🌹ملاحظة: طبعا بطلب من الدكتور نمير العاني وبغرض توسيع نطاق الحوار بشأن مسألة في غاية الحساسية والحيوية. فضلا عن تعريف بقيم الحوار العقلاني النقدي الذي لا يفسد للود قضية. تلك كانت الحلقة الأولى من الحوار والباقي يتبع ..

ضع اعلانك هنا