هل أصبح التعليم في اليمن لمن استطاع إليه سبيلا ؟

بلقيس محمد علوان

ينطلق العام الدراسي 2022/ 2023 في عموم محافظات اليمن خلال هذه الأيام، وما زال قيض الصيف بحرارته سائدًا على العديد من المحافظات، بما يجعل الانتظام في فصول دراسية ليست مزودة بأبسط الإمكانيات للتخفيف من وطأة الحر أمرًا في غاية الصعوبة، ومحافظات أخرى ليست مشكلتها الحر، بل مشكلتها أن المدرس ينبغي أن يؤدي عمله وهو لا يتقاضى أي مرتب، في حين تجد الأسرة نفسها أمام متطلبات مادية لا قبل لها بها: رسوم التسجيل، وما سمي بالمشاركة المجتمعية وشراء المناهج الدراسية، والزي المدرسي، والقرطاسية المطلوبة والحقيبة المدرسية، أما المحافظات ذات الحظ الأوفر من المعاناة فتلك التي تجمع بين الطقس الحار، وانعدام الدخل سواء للمعلم أو رب الأسرة، والجميع شمالاً وجنوبًا يبدؤون العام الدراسي في وجل وعبء يثقل كواهلهم، وهكذا يصبح بدء العام الدراسي حملًا ثقيلًا على الجميع بدلاً عن أن يكون مبعث فرح وأمل وتفاؤل.

قبل الحرب اتجهت وزارة التربية والتعليم لوضع استراتيجية طويلة المدى للتعليم الأساسي في اليمن سميت الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم الأساسي في اليمن 2003 – 2015، وتهدف إلى إصلاح نظام التعليم الأساسي وتطويره ليكون قادرًا على تهيئة وبناء الفرد ليصبح عنصرًا منتجًا وفعالاً في المجتمع حاضرًا ومستقبلًا، وفي ضوء ذلك تبلورت الرؤية في وضع استراتيجية وطنية شاملة لتطوير التعليم الأساسي في اليمن لتعمل على:تحديد الاتجاه لعملية إصلاح وتطوير التعليم الأساسي. بناء القدرات المؤسسية للوزارة بما يتوافق ومتطلبات إنجاز أهداف تطوير التعليم الأساسي في اليمن نحو عملية التطوير المنشود. توجه العمليات والقرارات اليومية على مستوى الوزارة إلى المدرسة. أن تصبح أداة قياس، تمكن الوزارة من قياس أدائها في إنجاز أهداف التطوير.

وهذه الاستراتيجية بما احتوته من توجهات، وما كان قد حدث من تطبيق بطيء وجزئي تعتبر آخر ما تم إعداده بشكل مؤسسي على مستوى التخطيط ورسم الاستراتيجيات، وتجمدت خطوات تنفيذها مع حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني منذ العام 2011.

ومع بداية الحرب والصراع المسلّح منذ 2014 بدأت العمليّة التعليميّة مرحلة أخرى هي الأصعب والأكثر كارثية بشكل لم يسبق له مثيل فقد لحقت بالتعليم العام بما فيه التعليم الأساسي أضرار بالغة، إذ تعثر هدف التعليم للجميع بحلول العام 2015، ووفقا لدراسة أعدها خليل الخطيب ويوسف الريمي بعنوان “واقع التعليم في اليمن” فقد ألحقت الحرب أضرارًا بالغة في البنية التحتيّة للتعليم في أكثر من 3652 مدرسة، أيْ بنسبة 21% من إجماليّ عدد المنشآت التعليميّة العاملة في اليمن، منها 412 تعرّضتْ لتدمير كلّي، و1491 لتدميرٍ جزئيّ، واستُخدمتْ 993 مركزًا لإيواء النازحين، وأغلقت 756 بسبب استخدامها لأعمال عسكرية أو لأسباب أخرى، وكان يعمل فيها نحو 89.840 معلّما ومعلمة، ما تسبّب في حرمان ما يقارب 1.898.22 طالبًا وطالبة من الاستمرار في التعليم، أيْ ما نسبته 32.3% من إجمالي طلبة التعليم العام في اليمن، أما في ما يخص الكتاب المدرسي فقد بلغ متوسط العجز السنويّ في طباعة الكتب المدرسيّة حوالي 84%، بما يعادل نسخة واحدة من المنهج لـكلّ 7 طلّاب، وأصبحت الأسرة هي المسؤولة عن توفير وشراء الكتاب المدرسي لأبنائها، ولم يكن الكادر التعليمي بمنأى عن تأثيرات الحرب، حيث يقدر عدد الكوادر التربويّة والتعليمية المتأثرين بالحرب والذين توقفت رواتبهم منذ العام 2016 حوالي 196.197 تربويًّا، كما أن الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي تسبب في تسرب أعداد كبيرة من الطلاب ونزوح مئات الآلاف من الأسر، والجدير بالذكر أن التسرب في صفوف الفتيات أكبر، كما حالت هذه الأوضاع دون التحاق آلاف الطلاب بالتعليم الأساسي، وطالما استمرت الحرب ستتضاعف التحديات التي تقف حجر عثرة أمام مسيرة التعليم الأساسي في اليمن.

هذه الصورة القاتمة لوضع التعليم في اليمن لا نغفل معها الإشارة إلى توقف عجلة التنمية وتلبية احتياجات الزيادة السكانية المضطردة من المشاريع والبنية التحتية والتأهيل المستمر لكوادر كافية تغطي الاحتياج للمعلم ريفًا وحضرًا، وفي كل التخصصات، كما تغطي تأهيل واستحداث ما يسد الفجوة بين ما هو قائم وما هو مطلوب من بنية تحتية من مبانٍ ومرافق، لكن الأمر يزداد سوءًا مع التخبط وانعدام التخطيط، ولو توفرت إجابات عن أسئلة من قبيل: كم الموازنة المخصصة للتعليم حاليًّا؟ فلن تكون الإجابة صادمة فقط، ولكنها ستخبرنا أيضًا أين يقع التعليم في أولويات السلطة، وإذا كان أبسط تكوين للعملية التعليمية هو طالب ومبنى ومعلم وكتاب، فإن هذه المكونات الأربعة حالها لا يخفى على أحد، وبذلك تكون التحديات التي تم تحديدها في الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم قد تضاعفت، وفي المقابل فإن الفرص التي اعتبرت نافذة لتطوير التعليم انحصرت وتلاشى أغلبها، ومن المؤكد أن توقف الحرب هو الخطوة الأكثر أهمية للبدء من جديد في بناء استراتيجية وطنية لإنقاذ وتطوير التعليم بشكل عام، والتعليم الأساسي على وجه الخصوص، والملاحظ بشكل لافت مع بدء العام الدراسي في كل مراحل ومستويات التعليم الأساسي والثانوي والجامعي أن هناك تراجعًا في أعداد المتقدمين للالتحاق بمراحل التعليم المختلفة إذ تحول الأوضاع الاقتصادية شديدة الصعوبة لكثير من الأسر والمترافقة مع المتطلبات الباهظة وغير القانونية مقابل إلحاق أبنائهم تحت مسميات عدة تحول دون التحاق الأبناء في مراحل التعليم المختلفة في ظل تغافل وتنصل عن المسؤولية من القائمين على العملية التعليمية، وحين يصبح توفير أساسيات متطلبات البقاء على قيد الحياة هو الهم الأول على صعوبته، يصبح التعليم لمن استطاع إليه سبيلاً.

✍️*
*كاتبة وأكاديمية يمنية.